الأحد، 10 يناير 2021

الرجل ذو الحذاء الرمادي

 



الرجل ذو الحذاء الرمادي

تجمعت اللعنات كلها فوق رأسه، الأمراض التي قاومها بصلابة لعقود تهاجمه الآن دفعة واحدة، في اللحظة التي انشق فيها وجه فردة الحذاء إلى نصفين، استمرت علاقته بحذائه ما يزيد عن العشرين عاما، منذ وقعت عيناه عليه لأول مرة، وحتى ساعة النحس هذه، التي تجبره على مواجهة قومه بحذائه مشطور الواجهة، نزع عن رأسه فورا احتمال استبداله بحذاء آخر، رمز لسطوته خلال عقدين على الأقل، احتل فيهما رأس الطاولة والمكتب الأوسع في مؤسسته.

لم تنشأ علاقتهما صدفة، منذ أطل عليه من خلف زجاج محل في رحلة إلى أوروبا بتمويل مؤسسته، أذهله الثعبان الملتوي المنقوش على جانب كل فردة، رأى فيه رمز حياته القادمة، انتشى بشعوره الداخلي بقرب تحرره من قناع التزلف الذي يبذله لذوي نعمته، لم يعد يشبعه نفاق الموظفين تحت كفه، تاقت روحه للمزيد، لنفاق أكثر رقيا مثلما يقدم هو بذاته لرؤسائه، انعكست أحلامه على الجلد الرمادي اللامع، حتى سعره المرتفع لم يوقفه، تطلب منه تدبيره بعض التعديلات في فواتير البعثة التي أشرف عليها.

بقى مترددا في ارتدائه فترة طويلة، قرر بطبيعة الحال أنه ليس حذاء كل يوم، ترك للقدر أن يلهمه باليوم المناسب، لم يكن القدر هو من ساعده ولكن علاقاته المتشعبة خارج المؤسسة، التي سربت له أن الرجل العجوز في المقام العالي لم يعد مرغوبا فيه، منذ خدعه غروره فتوقف عن  تقديم فروض ولائه بالشكل المطلوب، في المقابل، وظن أن مناورته الأخيرة لإحكام السيطرة على مفاصل المؤسسة المتراخية، قد تمنحه عمرا أطول، لم يكن قد أصبح الرجل ذا الحذاء الرمادي حين وصلته رسالة غير مباشرة أن الفرصة سانحة لمن يغتنمها، لكنه فهمها فأخرج حذاءه من مكمنه.

في صباح الاجتماع الكبير، انتابه الزهو وهو يستمع لصدى طرقات حذائه على بلاط الطرقات العاري، تاركا النظرات تلاحق خطواته الواثقة، تتساءل من أين أتت تلك الأعجوبة الرمادية، إلا أن تلك المشاعر تبخرت بمجرد أن اتخذ مكانه حول الطاولة الواسعة، عصف به الشك في قدرته على أخذ الخطوة التالية، وتحول تدفق الدماء في عروقه إلى صخب يضغط من الداخل على طبلتي أذنيه كأن رأسه على وشك الانفجار، فك أحد فردتي حذائه وهو عاجز عن متابعة ما يدور  حوله، تكلم الرجل العجوز وتكلم، ضغط صوته المتهالك على أعصابه أكثر فأكثر، شعر أخيرا أنها اللحظة المناسبة، فرفع فردة حذائه وألقاها بكل عنف على الطاولة الخشبية، "هذا لن يحدث أبدا، أنت تقودنا نحو الهلاك"، ترك كلماته معلقة وسط صمت حجرة الاجتماعات الواسعة واندفع مغادرا إلى مكتبه، تلك الحادثة التي ستُذيع صيته لسنوات باعتباره قائدا قوي الشكيمة قادراً على اتخاذ القرارات الحاسمة في وسط العاصفة، أما هو فشعر اهتزاز نفسه يغادره إلى الأبد، جلس ينتظر أول الواصلين يحمل له فردة حذائه وإقراره بولايته القادمة.

حملته ريح تلك اللحظة عاليا، ومع تراخي أوصال الرجل العجوز، لم تعترضه مشكلات كبيرة في إزاحته وطاقمه، وإرساء حذائه عاليا على القمة التي رغبها، أقنع الآخرين بالخارج أن ذلك سقف طموحه، وهو ما كفل له دفء مقعده طوال تلك السنوات، ليس فقط لقدرته على إحكام السيطرة على ولاء الأقزام داخل مؤسسته، ولكن لقدرته الفذة على مقايضة هذا الولاء بأرباح للآخرين في الدرجات الأعلى، بين قناعته أن يبقى القزم بينهم والمارد في مكانه، ضمن باستمرار مقعدا في كل مؤامرة.

لم يشك يوما أن سطوة حذائه هي ما حملته إلى هناك، بقي الحفاظ عليه هدفه الأوحد، يعتني به كواحد من أبنائه، تواصل مع المصنع لسنوات من أجل تأمين قطع غيار مناسبة، مبدلا رباطه أو نعله سرا، حتى وصلته رسالة اعتذار رقيقة أنهم لم يعودوا ينتجون هذا النوع من الأحذية، فشرع ينتقل من إسكافيّ إلى آخر باحثا عن متقن لتقليد تلك التفاصيل، ويتابع بنفسه آخر أخبار عالم الأحذية، بحثا عن تلك الدهانات التي يمكنها إطالة عمر الجلد للأبد، وباستثناء ذلك، استمر في اتباع نفس سياسات الرجل العجوز، أحاط نفسه بالأشد نفاقا والأقل مهارة من الأقزام، مقلبا الواحد منهم ضد الآخر في كل مرة، أغفلهم ذلك عن إدراك نظرته المحدودة وقراراته المتضاربة، التي أبقت مؤسسته طافية لكن مع الكثير من المياة المتسربة، على كل حال لم يشعر بها سوى ساكني بطن السفينة المتهالكة.

عشرون عاما أو أكثر مرت وهو يقلب الأعاصير في فنجان مؤسسته، يلعب دور الأب الرحيم تارة أو القاضي الفاضل تارة أخرى، لا يستحي من فضح أسرارهم واحدا بعد الآخر، بعد أن يفتح لهم صدر الصديق المخلص، تاركا لهم الفرصة للانزلاق في مصيدته بإرادتهم، أو يمنحهم أحبالا يشنقون بها قرناءهم أو غرماءهم المتوهمين، أو أنفسهم حين يتطلب الأمر، يعرف كيف يمرر النقود بين يديهم دون أن تتسخ بها، لتتراكم في النهاية أراضٍ وسيارات وقصور وحسابات سائلة، يعرف كيف يعيد صياغة اللعبة في كل مرة كي لا تشعر الفئران بالراحة، أو تتجاوز عينيها بحثا عن مهرب، كل تلك الألاعيب التي تعلمها من بقائه ساكنا على ساقي الرجل العجوز، أما ما ميزه عنه، حذاؤه الرمادي فقد انشق الآن تاركا إياه يواجه مصيره وحده.

أن يتخلى عن حذائه في اليوم الذي اختاره للاحتفال بكل إرثه، وتأسيس عقود قادمة من سلطته التافهة إنما المطلقة، لم يحتمل ذلك، شعر بالمخرز يخترق روحه مع كل غرزة يضيفها الإسكافي على الجلد المشقوق، تجنب النظر إلى الجرح الطولي من الخيطان المتقاطعة التي احتلت وجه حذائه، أو الالتقاء بالعيون الدهشة المتسائلة عم حل بحذائه، ثبات عينيه وتصلب ملامح وجهه، لم تخف عنه سخريتهم منه ومن حذائه الذي تم إصلاحه بطريقة ارتجالية وركيكة، لقد انهار رمز سطوته على مرأى ومسمع منهم جميعا، اختبأ في مكتبه ولم يظهر ثانية حتى عثروا عليه وقد فارقته الحياة وشخص بصره.

رام الله

يناير 2021

 

 

 

 


السبت، 2 مايو 2020

الحلقة الأولى


سعاد
بدا واضحا للجميع أنني أمر بانهيار عصبي، نوبات غضبي المفاجأة على المخرج أو مدير التصوير أو فريق العمل كله، انتبه الجميع أن جسدي قد نحل وأنني توقفت عن الأكل تماما، شعرت أن المزيج العجيب من المهدئات وحبوب الطاقة يقودني نحو الجنون تدريجيا، همست لي أحدى مساعداتي باسم كومبي، وأن بإمكانهم تقديم مساعدة احترافية بطريقة سرية، استهواني الأمر، لم يستغرق البحث عن التفاصيل أي وقت، طلبت الخدمة من هاتف مجهول كما أخبروني، وقمت بتحويل المبلغ المطلوب عن طريق حساب سري في بنك دولي، تلقيت رسالة بعنوان صندوق بريد ورقم سري، كانا كافيين ليسلماني طردا صغيرا.
وجدت بداخل الصندوق خوذة أنيقة، فتشت عن كتيب التعليمات فلم أعثر عليه، فضغطت زر التشغيل ووضعتها على رأسي، وسحبت الشاشة الزجاجية الداكنة أمام وجهي، بحركات بسيطة من عيني اخترت اللغة وحددت موعد الجلسة الأولى في اليوم التالي، تلقيت نصيحة صغيرة بالاسترخاء قدر الإمكان خلال الجلسات، لم أستطع النوم تلك الليلة، بقيت عيناي مثبتتان على الخوذة حتى موعد الجلسة.
 انسابت في البداية عبر السماعات مقطوعة موسيقية خافتة، ارتفعت تدريجيا حتى شعرت أنها تعزلني عن كل ما حولي، أضاءت الشاشة تدريجيا، شعرت بهزة حينما وجدت نفسي داخل غرفة بيضاء فارغة، لقد جربت ألعاب ثلاثية الأبعاد من قبل، أما الآن فالأمر واقعي إلى حد بعيد، في نهاية الغرفة تألقت لوحة إلكترونية سوداء يتخللها أسطر مضيئة فاتجهت إليها، وجدت قائمة أسئلة حول صحتى الجسدية والعقاقير التي أتناولها بشكل دائم أو مؤقت، ظهرت الأسئلة تباعا، نقرت على الإجابات، لم يستغرق ذلك زمنا طويلا، ما أن أنهيتها حتى ظهر باب اللوحة..
فتحت الباب لتستقبلني الموسيقى الصاخبة والأضواء الملونة، وعلى الحلبة عشرات من الأجساد المتمايلة، الرجال بقمصان ملونة وسراويل واسعة الساقين، والنساء بفساتين قصيرة وشعور مستعارة ضخمة، صالة رقص تعود إلى الستينيات، بالضبط كما أحلم بها، لمحته على الطرف الآخر من القاعة الواسعة، بالقرب من الشرفة الزجاجية الواسعة التي تطل على البحر المظلم، وفي الأفق لمعت أضواء لسفن بعيدة، بدا واثقا من نفسه بابتسامته الواسعة وحلته الرسمية التي لا تنتمي إلى المكان، عبرت الحلبة متجاوزة الراقصين بخفة، وقفت أمامه مباشرة وسألته:
-       أنت الطبيب؟
-       د. منصور..انتظرك منذ قليل.
-       يمكنك أن تدعوني صافي
ثم نظرت حولي وقلت:
-       أربكني الأمر في البداية، إلا أنه مألوف ومحبب.
-       الأمر كله من صنع عقلك..انجذابك واضح لهذه الحقبة.
-       من صنع هذا الشيء يعرفني تماما.
نظرت له بشك وسألته:
-       هل يمكنك التجسس على أفكاري؟
اتسعت ابتسامته وكأنه معتاد على هذا النوع من الأسئلة:
-       قطعا لا، يزودني البرنامج طوال الوقت بمؤشراتك الحيوية، ضغط الدم، الحرارة، سرعة النبض، لكن لا يمكنه الدخول إلى عقلك، هذه الأجواء انعكاس لحالتك النفسية وتفضيلاتك.
تابعت شكوكي:
-       لا يستطيع أحد التجسس على حديثنا؟
-       المحادثة مؤمنة تماما، أتوقع أنك سألت عن هذا الأمر قبل أن تتصلي بنا.
-       وقاعدة البيانات؟
-       لا توجد قاعدة بيانات لدينا، ولا يتم تسجيل أية معلومات خلال الجلسات، فقط دفتر صغير أسجل به ملاحظاتي، لكن لا أحد يمكنه أن يعرف من أنت أو أين أنت.
أشعرتني كلماته ولهجته بالاطمئنان، إلا أنني سألته بلهجة متوترة:
-       متى يمكننا أن نبدأ الجلسات؟
-       الآن...ولكن دعينا نتخلص من هذه الضوضاء.
فتح باب الشرفة الزجاجي وأشار لي بالدخول، ما أن أغلقه خلفه حتى اختفت الأصوات تماما، لم تكن السماء مظلمة بالخارج، أمتد النهار يفرش الشاطئ الواسع والبحر الأزرق الهادئ، ملئت رئتي بالهواء المنعش، شعرت به يحرك أطراف شعري على كتفي
-       هل ترغبين بالمشي قليلا؟
التفت إليه لأجده قد تخلى عن حلته السوداء وأرتدى ملابس خفيفة، أمسك بيدي وقادني على درج رخامي تغطي درجاته الأخيرة الرمال، خلعت حذائي ومشيت بجواره نحو الماء، شعرت بالرمال الدافئة تحتضن قدمي، توقف والتفت إلي، شجعتني نظراته على الحديث
-          عدني ألا تأخذ عني أي انطباع سلبي....لم أتوقع أن أخبر أحدا من قبل.
-          أنا هنا لمساعدتك على تجاوز ذلك.
استجمعت الكلمات المحشورة في حلقت، اندفعت من شفتاي وكأني ألقي بها بعيدا:
-          تنتابني رغبة جارفة لقتل طفلاي.
صمت قليلا، لم يبدو متفاجئا حين سألني:
-          كم عمر أولادك؟
-          البنت ست سنوات والولد ثلاث سنوات
-          منذ متى تشعرين بذلك؟
شعرت بالاختناق يمنعني من مواصلة الحديث، إلا أن تيار الكلمات انفجر على شفتي:
-          منذ شهرين تقريبا، أتذكر جيدا كان يوما حارا ، تركتهما يلعبان في المسبح الصغير في حمام غرفتهما، جلست في غرفتي اقرأ وضحكاتهما العالية تصلني، حينما جذبتني دوامة في عقلي بعيدا، رحت أقلب الصفحات دون أن أعي حتى سكنت أصواتهما، شعرت بجسدي يتجه نحو غرفتهما، دخلت حمامها وأمسكتهما معا ورحت أدفع رأسيهما تحت الماء، لم أتوقف حتى خمدت أنفاسهما تماما. أفقت لأجد نفسي جلسة والكتاب بين يدي، وضحكاتهما مازالت ترن في أرجاء المكان، لم يكن حلما أو وهما، بدا كابوسا حقيقيا  اتصلت بالمربية أصرخ فيها أن تحضر فورا، تجمدت مكاني حتى حضرت وأخرجتهما من الماء، وهما يرتعشان من البرد، بقيا في الفراش بعدها عدة أيام، لم استطع الاقتراب منهما.
منحني لحظات استرد فيها أنفاسها، قبل أن يسألني:
-          وتكرر الأمر بعد ذلك؟
-          تحول مع الوقت إلى رغبة ملحة، استيقظ في منتصف الليل وأقاوم بشدة أن أذهب إلى غرفتهما وأخنقهما بالوسادة، تتملكني الفكرة أحيانا ولا أستطيع مقاومتها، أدفع للمربية ضعفي راتبها حتى لا تتركهما وحيدين معي ليلا أو نهارا.
لم أعد قادرة على الصمود أكثر فانفجرت في البكاء:
-          أنا لست أم سيئة لأقتل أطفالي، إنهما أفضل ما حدث لي في حياتي كلها، ربما يأخذني عملي منهما طوال الوقت، إلا أن أحلى لحظات يومي أقضيها معهما، أنسى كل مشاكلي وغروري وشهرتي وأنا معهما، أشعر أنني اغتسلت من كل هموم الدنيا، وفجأة تراودني تلك الرغبة في  قتلهما.... أنني اعشقهما..... أرجوك ساعدني.
-          هل شعرت بهذه الرغبة من قبل..ربما أشخاص آخرين.
هززت رأسي نفيا والعبرات تخنقني، ناولني منديلا لأمسح دموعي، وسألتي:
-  لم أسمعك تذكرين أباهما، هل هو متواجد معكم هذه الفترة؟
شعرت بغضة داخلي، انقبض قلبي للذكرى وأنا أجيب:
-  لقد توفى منذ عامين، أنا الآن أحيى وحيدة.
صمت قليلا قبل أن يكمل:
-  حسنا، هناك خطوة يجب القيام بها قبل أن نبدأ علاجنا.
رفعت رأسي إليه متسائلة، فنظر في عيني مباشرة وأكمل:
-  عليكِ أن تبعديهما عنك لبعض الوقت.
حاولت أن أبعد عيناي عنه، إلا أنه أمسك بوجهي برفق محافظا على نظراته العميقة وهو يكمل:
-  هل لديك أقارب تأتمنيهم على طفليك خلال الجلسات؟
- هل تعتقد أن ذلك لم يخطر لي من قبل، أخبرتك أني لا أطيق الابتعاد عنهما.
- إنه مجرد إجراء مؤقت.
-  لكم من الوقت؟
-  مبدئيا لأسبوعين.
أزحت أصابعه عن وجهي بهدوء، بدا صوته آمرا، سألت في استسلام:
-  متى يمكن أن نلتقي ثانية؟
-  بعد يومين... ستجدين غدا في صندوق البريد دواء مؤقت مع تعليمات استخدامه، سيساعدك على الاسترخاء، ستصلك رسالة بالرقم السري الجديد.
منصور
أنهيت جلسة اليوم فخلعت عن رأسي الخوذة، طالعت شاشة الحاسوب الضخمة أمامي، ألقيت نظرة أخيرة على البيانات، وسجلت ملاحظات أخيرة في دفتري الصغير قبل أن أغلق الجهاز، أعدت الدفتر إلى الدرج الوحيد في مكتبي الفخم، نظرت إلى هاتفي لأجد عدة مكالمات فائتة من البروفيسور هوبكنز ومن زاك، غريب أن يتصلا بي في الوقت ذاته، والأغرب أن يتصلا أثناء العمل، ارتديت سترتي وغادرت المكان وعقلي مشغول تماما بتلك الأم ذات المشاعر القاتلة.