السبت، 2 مايو 2020

الحلقة الأولى


سعاد
بدا واضحا للجميع أنني أمر بانهيار عصبي، نوبات غضبي المفاجأة على المخرج أو مدير التصوير أو فريق العمل كله، انتبه الجميع أن جسدي قد نحل وأنني توقفت عن الأكل تماما، شعرت أن المزيج العجيب من المهدئات وحبوب الطاقة يقودني نحو الجنون تدريجيا، همست لي أحدى مساعداتي باسم كومبي، وأن بإمكانهم تقديم مساعدة احترافية بطريقة سرية، استهواني الأمر، لم يستغرق البحث عن التفاصيل أي وقت، طلبت الخدمة من هاتف مجهول كما أخبروني، وقمت بتحويل المبلغ المطلوب عن طريق حساب سري في بنك دولي، تلقيت رسالة بعنوان صندوق بريد ورقم سري، كانا كافيين ليسلماني طردا صغيرا.
وجدت بداخل الصندوق خوذة أنيقة، فتشت عن كتيب التعليمات فلم أعثر عليه، فضغطت زر التشغيل ووضعتها على رأسي، وسحبت الشاشة الزجاجية الداكنة أمام وجهي، بحركات بسيطة من عيني اخترت اللغة وحددت موعد الجلسة الأولى في اليوم التالي، تلقيت نصيحة صغيرة بالاسترخاء قدر الإمكان خلال الجلسات، لم أستطع النوم تلك الليلة، بقيت عيناي مثبتتان على الخوذة حتى موعد الجلسة.
 انسابت في البداية عبر السماعات مقطوعة موسيقية خافتة، ارتفعت تدريجيا حتى شعرت أنها تعزلني عن كل ما حولي، أضاءت الشاشة تدريجيا، شعرت بهزة حينما وجدت نفسي داخل غرفة بيضاء فارغة، لقد جربت ألعاب ثلاثية الأبعاد من قبل، أما الآن فالأمر واقعي إلى حد بعيد، في نهاية الغرفة تألقت لوحة إلكترونية سوداء يتخللها أسطر مضيئة فاتجهت إليها، وجدت قائمة أسئلة حول صحتى الجسدية والعقاقير التي أتناولها بشكل دائم أو مؤقت، ظهرت الأسئلة تباعا، نقرت على الإجابات، لم يستغرق ذلك زمنا طويلا، ما أن أنهيتها حتى ظهر باب اللوحة..
فتحت الباب لتستقبلني الموسيقى الصاخبة والأضواء الملونة، وعلى الحلبة عشرات من الأجساد المتمايلة، الرجال بقمصان ملونة وسراويل واسعة الساقين، والنساء بفساتين قصيرة وشعور مستعارة ضخمة، صالة رقص تعود إلى الستينيات، بالضبط كما أحلم بها، لمحته على الطرف الآخر من القاعة الواسعة، بالقرب من الشرفة الزجاجية الواسعة التي تطل على البحر المظلم، وفي الأفق لمعت أضواء لسفن بعيدة، بدا واثقا من نفسه بابتسامته الواسعة وحلته الرسمية التي لا تنتمي إلى المكان، عبرت الحلبة متجاوزة الراقصين بخفة، وقفت أمامه مباشرة وسألته:
-       أنت الطبيب؟
-       د. منصور..انتظرك منذ قليل.
-       يمكنك أن تدعوني صافي
ثم نظرت حولي وقلت:
-       أربكني الأمر في البداية، إلا أنه مألوف ومحبب.
-       الأمر كله من صنع عقلك..انجذابك واضح لهذه الحقبة.
-       من صنع هذا الشيء يعرفني تماما.
نظرت له بشك وسألته:
-       هل يمكنك التجسس على أفكاري؟
اتسعت ابتسامته وكأنه معتاد على هذا النوع من الأسئلة:
-       قطعا لا، يزودني البرنامج طوال الوقت بمؤشراتك الحيوية، ضغط الدم، الحرارة، سرعة النبض، لكن لا يمكنه الدخول إلى عقلك، هذه الأجواء انعكاس لحالتك النفسية وتفضيلاتك.
تابعت شكوكي:
-       لا يستطيع أحد التجسس على حديثنا؟
-       المحادثة مؤمنة تماما، أتوقع أنك سألت عن هذا الأمر قبل أن تتصلي بنا.
-       وقاعدة البيانات؟
-       لا توجد قاعدة بيانات لدينا، ولا يتم تسجيل أية معلومات خلال الجلسات، فقط دفتر صغير أسجل به ملاحظاتي، لكن لا أحد يمكنه أن يعرف من أنت أو أين أنت.
أشعرتني كلماته ولهجته بالاطمئنان، إلا أنني سألته بلهجة متوترة:
-       متى يمكننا أن نبدأ الجلسات؟
-       الآن...ولكن دعينا نتخلص من هذه الضوضاء.
فتح باب الشرفة الزجاجي وأشار لي بالدخول، ما أن أغلقه خلفه حتى اختفت الأصوات تماما، لم تكن السماء مظلمة بالخارج، أمتد النهار يفرش الشاطئ الواسع والبحر الأزرق الهادئ، ملئت رئتي بالهواء المنعش، شعرت به يحرك أطراف شعري على كتفي
-       هل ترغبين بالمشي قليلا؟
التفت إليه لأجده قد تخلى عن حلته السوداء وأرتدى ملابس خفيفة، أمسك بيدي وقادني على درج رخامي تغطي درجاته الأخيرة الرمال، خلعت حذائي ومشيت بجواره نحو الماء، شعرت بالرمال الدافئة تحتضن قدمي، توقف والتفت إلي، شجعتني نظراته على الحديث
-          عدني ألا تأخذ عني أي انطباع سلبي....لم أتوقع أن أخبر أحدا من قبل.
-          أنا هنا لمساعدتك على تجاوز ذلك.
استجمعت الكلمات المحشورة في حلقت، اندفعت من شفتاي وكأني ألقي بها بعيدا:
-          تنتابني رغبة جارفة لقتل طفلاي.
صمت قليلا، لم يبدو متفاجئا حين سألني:
-          كم عمر أولادك؟
-          البنت ست سنوات والولد ثلاث سنوات
-          منذ متى تشعرين بذلك؟
شعرت بالاختناق يمنعني من مواصلة الحديث، إلا أن تيار الكلمات انفجر على شفتي:
-          منذ شهرين تقريبا، أتذكر جيدا كان يوما حارا ، تركتهما يلعبان في المسبح الصغير في حمام غرفتهما، جلست في غرفتي اقرأ وضحكاتهما العالية تصلني، حينما جذبتني دوامة في عقلي بعيدا، رحت أقلب الصفحات دون أن أعي حتى سكنت أصواتهما، شعرت بجسدي يتجه نحو غرفتهما، دخلت حمامها وأمسكتهما معا ورحت أدفع رأسيهما تحت الماء، لم أتوقف حتى خمدت أنفاسهما تماما. أفقت لأجد نفسي جلسة والكتاب بين يدي، وضحكاتهما مازالت ترن في أرجاء المكان، لم يكن حلما أو وهما، بدا كابوسا حقيقيا  اتصلت بالمربية أصرخ فيها أن تحضر فورا، تجمدت مكاني حتى حضرت وأخرجتهما من الماء، وهما يرتعشان من البرد، بقيا في الفراش بعدها عدة أيام، لم استطع الاقتراب منهما.
منحني لحظات استرد فيها أنفاسها، قبل أن يسألني:
-          وتكرر الأمر بعد ذلك؟
-          تحول مع الوقت إلى رغبة ملحة، استيقظ في منتصف الليل وأقاوم بشدة أن أذهب إلى غرفتهما وأخنقهما بالوسادة، تتملكني الفكرة أحيانا ولا أستطيع مقاومتها، أدفع للمربية ضعفي راتبها حتى لا تتركهما وحيدين معي ليلا أو نهارا.
لم أعد قادرة على الصمود أكثر فانفجرت في البكاء:
-          أنا لست أم سيئة لأقتل أطفالي، إنهما أفضل ما حدث لي في حياتي كلها، ربما يأخذني عملي منهما طوال الوقت، إلا أن أحلى لحظات يومي أقضيها معهما، أنسى كل مشاكلي وغروري وشهرتي وأنا معهما، أشعر أنني اغتسلت من كل هموم الدنيا، وفجأة تراودني تلك الرغبة في  قتلهما.... أنني اعشقهما..... أرجوك ساعدني.
-          هل شعرت بهذه الرغبة من قبل..ربما أشخاص آخرين.
هززت رأسي نفيا والعبرات تخنقني، ناولني منديلا لأمسح دموعي، وسألتي:
-  لم أسمعك تذكرين أباهما، هل هو متواجد معكم هذه الفترة؟
شعرت بغضة داخلي، انقبض قلبي للذكرى وأنا أجيب:
-  لقد توفى منذ عامين، أنا الآن أحيى وحيدة.
صمت قليلا قبل أن يكمل:
-  حسنا، هناك خطوة يجب القيام بها قبل أن نبدأ علاجنا.
رفعت رأسي إليه متسائلة، فنظر في عيني مباشرة وأكمل:
-  عليكِ أن تبعديهما عنك لبعض الوقت.
حاولت أن أبعد عيناي عنه، إلا أنه أمسك بوجهي برفق محافظا على نظراته العميقة وهو يكمل:
-  هل لديك أقارب تأتمنيهم على طفليك خلال الجلسات؟
- هل تعتقد أن ذلك لم يخطر لي من قبل، أخبرتك أني لا أطيق الابتعاد عنهما.
- إنه مجرد إجراء مؤقت.
-  لكم من الوقت؟
-  مبدئيا لأسبوعين.
أزحت أصابعه عن وجهي بهدوء، بدا صوته آمرا، سألت في استسلام:
-  متى يمكن أن نلتقي ثانية؟
-  بعد يومين... ستجدين غدا في صندوق البريد دواء مؤقت مع تعليمات استخدامه، سيساعدك على الاسترخاء، ستصلك رسالة بالرقم السري الجديد.
منصور
أنهيت جلسة اليوم فخلعت عن رأسي الخوذة، طالعت شاشة الحاسوب الضخمة أمامي، ألقيت نظرة أخيرة على البيانات، وسجلت ملاحظات أخيرة في دفتري الصغير قبل أن أغلق الجهاز، أعدت الدفتر إلى الدرج الوحيد في مكتبي الفخم، نظرت إلى هاتفي لأجد عدة مكالمات فائتة من البروفيسور هوبكنز ومن زاك، غريب أن يتصلا بي في الوقت ذاته، والأغرب أن يتصلا أثناء العمل، ارتديت سترتي وغادرت المكان وعقلي مشغول تماما بتلك الأم ذات المشاعر القاتلة.







هناك 7 تعليقات:

  1. جميل ... وبحاجة لتدقيق لغوي بسيط أثناء الكتابة ��
    انتظر الأجزاء الاخرى

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا رواء في انتظار مساعدتك
      أي ملاحظات في محل تقدير

      حذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. ما شاء الله جميل جدا ننتظر البقية

    ردحذف
  4. ما شاء الله على الاسلوب واللغة والتسلسل

    ردحذف
  5. قصة تشد القارىء الى الاستمرار.

    ارجو الانتباه الى جملة:استجمعت الكلمات المحشورة في حلقت . ممكن القصد حلقي

    ردحذف