الرجل ذو الحذاء الرمادي
تجمعت اللعنات كلها فوق رأسه،
الأمراض التي قاومها بصلابة لعقود تهاجمه الآن دفعة واحدة، في اللحظة التي انشق
فيها وجه فردة الحذاء إلى نصفين، استمرت علاقته بحذائه ما يزيد عن العشرين عاما،
منذ وقعت عيناه عليه لأول مرة، وحتى ساعة النحس هذه، التي تجبره
على مواجهة قومه بحذائه مشطور الواجهة، نزع عن رأسه فورا احتمال استبداله بحذاء
آخر، رمز لسطوته خلال عقدين على الأقل، احتل فيهما رأس الطاولة والمكتب الأوسع في
مؤسسته.
لم تنشأ علاقتهما صدفة، منذ أطل
عليه من خلف زجاج محل في رحلة إلى أوروبا بتمويل مؤسسته، أذهله الثعبان الملتوي
المنقوش على جانب كل فردة، رأى فيه رمز حياته القادمة، انتشى بشعوره الداخلي بقرب
تحرره من قناع التزلف الذي يبذله لذوي نعمته، لم يعد يشبعه نفاق الموظفين تحت كفه،
تاقت روحه للمزيد، لنفاق أكثر رقيا مثلما يقدم هو بذاته لرؤسائه، انعكست أحلامه
على الجلد الرمادي اللامع، حتى سعره المرتفع لم يوقفه، تطلب منه تدبيره بعض
التعديلات في فواتير البعثة التي أشرف عليها.
بقى مترددا في ارتدائه فترة طويلة،
قرر بطبيعة الحال أنه ليس حذاء كل يوم، ترك للقدر أن يلهمه باليوم المناسب، لم يكن
القدر هو من ساعده ولكن علاقاته المتشعبة خارج المؤسسة، التي سربت له أن الرجل
العجوز في المقام العالي لم يعد مرغوبا فيه، منذ خدعه غروره فتوقف عن تقديم فروض ولائه بالشكل المطلوب، في المقابل،
وظن أن مناورته الأخيرة لإحكام السيطرة على مفاصل المؤسسة المتراخية، قد تمنحه
عمرا أطول، لم يكن قد أصبح الرجل ذا الحذاء الرمادي حين وصلته رسالة غير مباشرة أن
الفرصة سانحة لمن يغتنمها، لكنه فهمها فأخرج حذاءه من مكمنه.
في صباح الاجتماع الكبير، انتابه
الزهو وهو يستمع لصدى طرقات حذائه على بلاط الطرقات العاري، تاركا النظرات تلاحق
خطواته الواثقة، تتساءل من أين أتت تلك الأعجوبة الرمادية، إلا أن تلك المشاعر
تبخرت بمجرد أن اتخذ مكانه حول الطاولة الواسعة، عصف به الشك في قدرته على أخذ
الخطوة التالية، وتحول تدفق الدماء في عروقه إلى صخب يضغط من الداخل على طبلتي
أذنيه كأن رأسه على وشك الانفجار، فك أحد فردتي حذائه وهو عاجز عن متابعة ما
يدور حوله، تكلم الرجل العجوز وتكلم، ضغط
صوته المتهالك على أعصابه أكثر فأكثر، شعر أخيرا أنها اللحظة المناسبة، فرفع فردة
حذائه وألقاها بكل عنف على الطاولة الخشبية، "هذا لن يحدث أبدا، أنت تقودنا
نحو الهلاك"، ترك كلماته معلقة وسط صمت حجرة الاجتماعات الواسعة واندفع
مغادرا إلى مكتبه، تلك الحادثة التي ستُذيع صيته لسنوات باعتباره قائدا قوي
الشكيمة قادراً على اتخاذ القرارات الحاسمة في وسط العاصفة، أما هو فشعر اهتزاز
نفسه يغادره إلى الأبد، جلس ينتظر أول الواصلين يحمل له فردة حذائه وإقراره
بولايته القادمة.
حملته ريح تلك اللحظة عاليا، ومع
تراخي أوصال الرجل العجوز، لم تعترضه مشكلات كبيرة في إزاحته وطاقمه، وإرساء حذائه
عاليا على القمة التي رغبها، أقنع الآخرين بالخارج أن ذلك سقف طموحه، وهو ما كفل
له دفء مقعده طوال تلك السنوات، ليس فقط لقدرته على إحكام السيطرة على ولاء
الأقزام داخل مؤسسته، ولكن لقدرته الفذة على مقايضة هذا الولاء بأرباح للآخرين في
الدرجات الأعلى، بين قناعته أن يبقى القزم بينهم والمارد في مكانه، ضمن باستمرار
مقعدا في كل مؤامرة.
لم يشك يوما أن سطوة حذائه هي ما
حملته إلى هناك، بقي الحفاظ عليه هدفه الأوحد، يعتني به كواحد من أبنائه، تواصل مع
المصنع لسنوات من أجل تأمين قطع غيار مناسبة، مبدلا رباطه أو نعله سرا، حتى وصلته
رسالة اعتذار رقيقة أنهم لم يعودوا ينتجون هذا النوع من الأحذية، فشرع ينتقل من إسكافيّ
إلى آخر باحثا عن متقن لتقليد تلك التفاصيل، ويتابع بنفسه آخر أخبار عالم الأحذية،
بحثا عن تلك الدهانات التي يمكنها إطالة عمر الجلد للأبد، وباستثناء ذلك، استمر في
اتباع نفس سياسات الرجل العجوز، أحاط نفسه بالأشد نفاقا والأقل مهارة من الأقزام،
مقلبا الواحد منهم ضد الآخر في كل مرة، أغفلهم ذلك عن إدراك نظرته المحدودة
وقراراته المتضاربة، التي أبقت مؤسسته طافية لكن مع الكثير من المياة المتسربة،
على كل حال لم يشعر بها سوى ساكني بطن السفينة المتهالكة.
عشرون عاما أو أكثر مرت وهو يقلب
الأعاصير في فنجان مؤسسته، يلعب دور الأب الرحيم تارة أو القاضي الفاضل تارة أخرى،
لا يستحي من فضح أسرارهم واحدا بعد الآخر، بعد أن يفتح لهم صدر الصديق المخلص،
تاركا لهم الفرصة للانزلاق في مصيدته بإرادتهم، أو يمنحهم أحبالا يشنقون بها قرناءهم
أو غرماءهم المتوهمين، أو أنفسهم حين يتطلب الأمر، يعرف كيف يمرر النقود بين يديهم
دون أن تتسخ بها، لتتراكم في النهاية أراضٍ وسيارات وقصور وحسابات سائلة، يعرف كيف
يعيد صياغة اللعبة في كل مرة كي لا تشعر الفئران بالراحة، أو تتجاوز عينيها بحثا
عن مهرب، كل تلك الألاعيب التي تعلمها من بقائه ساكنا على ساقي الرجل العجوز، أما
ما ميزه عنه، حذاؤه الرمادي فقد انشق الآن تاركا إياه يواجه مصيره وحده.
أن يتخلى عن حذائه في اليوم الذي
اختاره للاحتفال بكل إرثه، وتأسيس عقود قادمة من سلطته التافهة إنما المطلقة، لم
يحتمل ذلك، شعر بالمخرز يخترق روحه مع كل غرزة يضيفها الإسكافي على الجلد المشقوق،
تجنب النظر إلى الجرح الطولي من الخيطان المتقاطعة التي احتلت وجه حذائه، أو
الالتقاء بالعيون الدهشة المتسائلة عم حل بحذائه، ثبات عينيه وتصلب ملامح وجهه، لم
تخف عنه سخريتهم منه ومن حذائه الذي تم إصلاحه بطريقة ارتجالية وركيكة، لقد انهار
رمز سطوته على مرأى ومسمع منهم جميعا، اختبأ في مكتبه ولم يظهر ثانية حتى عثروا
عليه وقد فارقته الحياة وشخص بصره.
رام الله
يناير 2021

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق